بلد صغير مثل الأردن لا يملك حتّى منفذا على البحر المتوسط يفوز بمنصب الأمين العام للاتحاد الذي يضم سبعا وعشرين دولة أوروبية وجميع الدول المتشاطئة على البحر الأبيض المتوسط وأيضا جامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية. ماذا حدث حتى أمكن تجاوز كل الدول المتوسطية وغير المتوسطية الكبرى الشقيقة وغير الشقيقة؟ سرّ صغير وطريف وشخصي يحدث أيضا في المجتمع الدولي! فقد صدف أن سفيرنا في بلجيكا هو شاب صاعد اسمه د.أحمد المساعدة. كيف ذلك؟ السفير الأردني في بروكسل ليس ممثلا فقط لدى دولة بلجيكا، فعاصمة الدولة الأوربية الصغيرة هذه تستضيف مقر الاتحاد الأوروبي ومقر حلف شمال الأطلسي، والسفير هناك هو أيضا سفير لدى هاتين المنظمتين وأيضا لدى النرويج ولوكسمبورغ. وصدف أن لدينا سفيرا مميزا، ليس من النمط التقليدي، الذي يكتفي بالواجبات التقليدية لوظيفته، وقد رأيت ذلك قبل عامين عندما نظم السفير رحلة لمجموعة منتقاة من الفاعليات غير الحكومية من أجل لقاءات مع الهيئات الدولية، كانت في غاية التوفيق نظرا لنوعية المشاركين ومستواهم، وأمكن لي أن أرى ما الذي يعمله المساعدة هناك، حيوية في العلاقات العامّة وأفكار وتنمية للصلات وتنظيم مبادرات تخدم الأردن بديناميكية لا تعرف الكلل، وقد أثمرت الكثير من المنجزات ليس أقلها إنشاء جمعية أصدقاء الأردن في البرلمان الأوروبي. وقبل أسابيع تمّ تنظيم وفد أردني إعلامي كبير لزيارة مقر حلف الأطلسي وإجراء حوارات، ولم أتمكن مع الأسف من المشاركة بسبب التزامات مسبقة أخرى، وأستطيع أن أخمن أن علاقات المساعدة وميزاته الشخصية ونشاطيته وكفاءاته وضعته في موقع متقدم للمنافسة. وفي الهيئات الدولية فإن هذا الجانب قد لا يكون ظاهرا في تقرير الترشيحات لكنه تحت السطح كثيرا ما يلعب دورا حاسما. المساعدة، بالطبع، اعتبر هذا الترشيح اعترافا وشهادة بدور الأردن الإقليمي وسياسته القائمة على الاعتدال والانفتاح والتسامح، ولا شكّ أن النظرة إلى الأردن والى جلالة الملك والعلاقات المميزة مع العالم الأوروبي ساعدت كثيرا، وربما إنها أعجوبة أن الكثير من الأشقاء الكبار لم يعرقلوا هذا الترشيح، بل أجمعوا عليه، ففي تجارب سابقة جاء الخذلان من الأشقاء بالذات، وتحقيق هذا الإجماع الفريد لا شك أنه إنجاز يثلج الصدر. الأردن بلد متوسطي بامتياز على الرغم من التقسيمات السياسية اللعينة للإقليم التي حرمته من امتلاك منفذ على البحر المتوسط، لكنه حقق الاعتراف بصفته المتوسطية، وشارك منذ البداية في الشراكة الأوروبية المتوسطية، ومسار برشلونة، وهو شريك فاعل في كل الهيئات والمؤسسات التي توالدت عن هذا المسار، وصولا إلى مشروع "الاتحاد من اجل المتوسط"، الذي ورث الشراكة، ووسعها إلى بقية الدول الأوروبية من خلال مبادرة الرئيس الفرنسي ساركوزي، والاتحاد يستكمل بناءه المؤسسي بإنشاء أمانة عامّة، واختيار أمين عام هو سفيرنا د.أحمد المساعدة، الذي كفّى ووفّى بعمله في بروكسل، وسينتقل الآن إلى برشلونة مقر الأمانة العامّة للاتحاد.