وجه الرئيس الموريتاني المخلوع، سيدي محمد ولد الشبخ عبد الله "خطابا إلى الأمة" عبر قناة "العربية"، بوصفه الرئيس الشرعي للبلاد، وتحدث في خطابه عن سعيه مع الشركاء الدوليين من أجل استعادة "الشرعية" في موريتانيا، وطالب الجيش بدور في الدفاع عن الجمهورية.
وتعهد الرئيس الموريتاني المخلوع، بإيجاد مخرج سلمي للقضية، مثمنا موقف المجتمع الدولي الذي ساند "الشرعية" ورفض الاعتراف بالانقلابيين.
وتطرق ولد الشيخ عبدالله، الذي أطيح به في السادس من أغسطس/آب الماضي إلى علاقته بمؤسسة الجيش التي تحكم موريتانيا منذ الإطاحة، داعيا الجيش إلى الوقوف إلى جانب الشرعية والدفاع عن قيم الجمهورية.
كما أشاد "بالفاعلين السياسين في موريتانيا الذين وقفوا في وجه العسكريين رافضين تحطيم المؤسسات الدستورية" .
ويأتي هذا الخطاب متزامنا مع انتهاء المهلة التي حددها الاتحاد الأوروبي للعودة إلى "الشرعية الدستورية في موريتانيا" أو مواجهة العقويات الأقتصادية.
كما يأتي بعد يومين من لقاء الرئيس المخلوع بسفراء الاتحاد الأوروبي المعتمدين في موريتانيا الذي التقوا به في مسقط رأسه في قرية "المدن" وسط البلاد حيث تفرض عليه إقامة جبرية منذ الإفراج عنه قبل أسبوعين.
وإلى ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية الخميس أن الاتحاد الاوروبي سيبحث في اخذ "الاجراءات المناسبة" تجاه موريتانيا بسبب الخطوات "غير الكافية" من قبل الانقلابيين لاعادة "النظام الدستوري" ضمن المهلة التي حددها الاتحاد والتي تنتهي اليوم.
وقال فريديريك ديسانيو المتحدث باسم الوزارة ان "الاتحاد الأوروبي أعطى في 20 أكتوبر/تشرين الأول الفائت المجلس العسكري مهلة شهر لتقديم اقتراحات حول هذه العودة الى الدستور".
وأضاف "نظرا الى ان الاقتراحات التي قدمها المجلس العسكري والتي اعتبرها المجتمع الدولي غير كافية، فإن الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي ستدرس, على قاعدة اقتراحات المفوضية, الاجراءات المناسبة".
وتتولى فرنسا, التي كانت تستعمر موريتانيا, الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي حتى نهاية العام.
ولم يعط المتحدث تفاصيل إضافية حول الاجراءات المحتمل اتخاذها تجاه نواكشوط. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يفرض عقوبات على النظام الموريتاني تأخذ شكل تعليق العلاقات الدبلوماسية والمساعدات التنموية, من دون تعليق المساعدات الانسانية.
النص الكامل للخطاب
مواطني الأعزاء..
إن التعهدات التي قطعتها السلطات الانتقالية على نفسها خلال سنتي 2005-2006، وأحكام الدستور المعدل الذي وافقتم عليه بأغلبية ساحقة، خلال شهر يوليو2006، والاختيار الذي عبرتم عنه بكل حرية وشفافية بانتخابي في شهر مارس 2007 لتولي المسؤوليات العليا في البلد، قد شكلت بالنسبة لكم ولبقية العالم تعبيراً جلياً عن نهاية مرحلة من تاريخ البلاد.
فقد بدا أن بلادنا قد ودعت عهد الانقلابات إلى غير رجعة، وانطلقت بناء على ذلك في مسيرة تعزيز وحدتها الوطنية، خاصة من خلال تنظيم عودة اللاجئين و اتخاذ إجراءات تستهدف القضاء نهائيا على ظاهرة الرق، وترسيخ ثقافة الحرية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد بُـذلت في هذا المضمار جهود جبارة، خلال مدة التسيير الديمقراطي التي لم تتجاوز 15 شهرا.
وأسفرت هذه الجهود المتواصلة عن تصحيح الأوضاع الاقتصادية بصورة جدية، ومع انطلاق برنامج التدخل الخاص، بدأ المواطنون ينعمون بثمار هذا الإصلاح الذي أشاد به صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، خلال اجتماع هيئة محافظي البنوك المركزية الإفريقية المنعقد في نواكشوط قبل انقلاب 6 أغسطس بـ5 أيام فقط.
كما تجسدت هذه الجهود في العون المالي الذي حصلت عليه بلادنا، بشكل غير مسبوق، ضمن إطار المساعدة العمومية في التنمية، بمناسبة لقاء المجموعة التشاورية حول موريتانيا بباريس، في شهر ديسمبر 2007، وتجسدت كذلك في إقبال المستثمرين على بلادنا، بشكل مكثف، ومن كل قارات العالم.
وتم، من جهة أخرى، ضمان ممارسة الحريات العمومية وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، والسير المنتظم للمؤسسات، بما فيها المؤسسة البرلمانية، بدون أي عائق أوعراقيل، طيلة 15 التي مرت من المأمورية الرئاسية.
وبذلك أصبح بلدنا مفخرة تستحق التنويه، ونموذجاً للتحول الناجح نحو قيم الحرية والديمقراطية، وتعزيز الوحدة الوطنية.
بيد أن جميع هذه المكاسب قد تم تحطيمها يوم 6 أغسطس 2008، عندما استولى أحد الضباط على السلطة بالقوة متناسيا شرف الخدمة وواجب الطاعة، والدفاع عن مؤسسات الجمهورية.
وقد أعاد هذا الانقلاب البلاد إلى أساليب الترهيب والرشوة، بعد انحراف المؤسسة البرلمانية، وانتهاج طريقة تصفية الحسابات كمنهج في الحكم، ففقدت الإدارة محتواها، واتجه الاقتصاد وجهة ديماغوجية، تقود مباشرة إلى انهيار لا مرد له إذا ما استمرت هذه الأوضاع، وتم جر البلاد إلى عزلة دبلوماسية واقتصادية، تعتبر نوعا من الانتحار.
مواطني الأعزاء،
اعتبارا المسؤوليات المنوطة بي في مواجهة هذه الوضعية، واقتناعا مني بتعلقكم جميعا بقيم السلم والحرية الكامنة في الديمقراطية، وهو التعلق الذي برهنتم عليه من خلال تعبئتكم العفوية، والالتزام غير المسبوق الذي عبر عنه العديد من الفاعلين السياسيين البارزين، في معركة الدفاع عن الديمقراطية، اعتبارا لكل ذلك، فإني لن أدخر أي جهد في سبيل إخراج بلدنا من محنته الحالية في جو من السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
ومن أجل ذلك فإنني أحتاج إلى مساعدتكم وتضامنكم، لكي نعمل جميعا، بدون عنف ولا قلاقل، وفي جو من المسامحة والوفاق الوطني ، وبعيدا عن المهادنة والحلول الشكلية التي لا تعالج أصل المشكل حتى تستعيد بلادنا نظامها الدستوري، عن طريق إفشال انقلاب 6 أغسطس 2008.
وبوصفي قائدا أعلى للقوات المسلحة، فإنني أجدد بالمناسبة ثقتي بالجيش الوطني، وقوات الأمن الوطنية، حيث اقدر عاليا مدى تحليهم بالخصال الجمهورية. وأغتنم هذه الفرصة لأعبر لهم، ولأسر الضحايا وللشعب الموريتاني عن خالص تعازي القلبية، إثر الهجوم الإرهابي الغادر، الذي وقع في تورين. كما أجدد لهم تصميمي الأكيد على تعزيز مكانتهم، بوصفهم حماة لاستقرار المؤسسات وقلاعا منيعة للدفاع عن حوزتنا الترابية وسيادتنا الوطنية.
مواطني الأعزاء،
إنكم تعلمون بدون شك أن الأسرة الدولية قد أجمعت على التنديد بانقلاب 6 أغسطس 2008 و مرتكبيه، حيث لم تعترف لهم بأية مشروعية، كما اعتبرت تصرفاتهم والإجراءات المتخذة في كنفهم غير قانونية.
فباسمكم جميعا أعرب لأعضاء هذه المجموعة الدولية عن تقديرنا لما بذلوا من جهد في سبيل استعادة الشرعية في بلادنا، ونؤكد لهم في نفس الوقت أن إفشال الانقلاب العسكري في موريتانيا، طبقا للمعاهدات والمواثيق والاتفاقيات المبرمة إقليميا ودوليا، يعتبر شرطا لا غنى عنه لاستئصال آفة اللجوء إلى القوة للاستيلاء على السلطة، وضمانا لترسيخ الديمقراطية نهائيا في قارتنا الافريقية وعالمنا العربي.
وفيما يخصني فإنني سأكون مستعدا، فور إفشال الإنقلاب، لأي نقاش أو تفكير يتناول مستقبل المؤسسات في بلدنا، وذلك في إطار دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية وقوانينها، وفي جو من التسامح والصفح والانسجام، ووحدة الأمة.
وسوف أظل، كما كنت، رئيسا لكل الموريتانيين، حريصا على ضمان الحرية والكرامة لكل فرد منهم، بعيدا عن نزعات الثأر وتصفية الحسابات.
عاشت موريتانيا حرة ومزدهرة.. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب
والسلام عليكم ورحمة الله..