يبدو أن لا إرادة فعلية في الأردن نحو تعليم قوي فاعل؛ لللحصول على مخرجات حقيقية عالية المستوى، كما في الدول المتقدمة التي تُولي التعليم جُلَّ اهتمامها وعنايتها، والدليل ما تُطالعنا به الأخبار كل يوم عن المنجزات المذهلة لهذه الدول في المجالات كافة، ونحن قابعون في بيئة صفية لا تصلح -في أغلب مدارسنا- لأية عملية تعليمية سليمة.
لقد دُقَّ أول مسمار في نعش التعليم في الأردن يوم أُعتبر ضرب المعلم للطالب جُرماً يستحق أن يدخل المعلم بسببه السجن مع اللصوص والسفاحين والمزورين والمروجين وغيرهم، بغض النظر عن سبب هذا الضرب أو حجمه أو حتى حدوثه حقيقة على يد المعلم!
ولست بداهة مع الضرب كما كان يحدث في السابق، ولكن هذا يجب أن لا ينسينا أن الضرب وسيلة للترغيب والترهيب والتأديب شرعها ربُّ العالمين يوم أذن للزوج أن يضرب زوجته الناشز وذلك في قوله تعالى: (( واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا))[النساء:34] وقوله صلى الله عليه وسلم: (( مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع )) [حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن]، والخلاصة هنا: ((ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ))[البقرة:140]
ثم كيف نُجرِّم الضربَ وهو فعل يحدث كل لحظة في البيت والشارع والجامعات والمجالس والأحياء بل وفي مجلس النواب الذي يشرع القوانين؟
إنَّ الضرب كفعل، متغلغل في شخصيتنا لا ينفك عنها، ولن يتغير ذلك إلا وفق منظومة سلوكية دقيقة تأخذ في الحسبان دراسة أسباب الضرب وتجفيفها ووضع البدائل المناسبة، ويجب أن يبدأ ذلك بالتدريج ابتداءً بالبيت الحاضنة الأولى للطالب، إذا لا يتصور أن الطالب المتعود على الضرب في البيت يمكن أن يسلك مدرسياً دون عقاب أو تهديد بالعقاب على الأقل.
والحجر الثاني الذي دكَّ هيبة التعليم هو رقم الهاتف المباشر المخصص للطلبة وأولياء أمورهم ليشتكوا على المعلمين لأتفه الأسباب، ولو علم الذي اقترح هذه الفكرة أنه أجرم في حق نفسه أولاً ثم مجتمعه لما تفوه بهكذا اقتراح مفجع.
من المعيب حقاً أن يقع المعلم تحت رحمة شكوى طالب فتفزع أجهزة التربية للتحقيق وإيقاع العقوبات غير المنصفة على المعلمين كما حدث مع معلمة عوقبت بإنذار لمجرد تهديدها طالبة بالعقاب، مع أن الفعل يحدث يومياً وبمئات الحالات لكن حظ المعلمة العاثر كان لها بالمرصاد بسبب فزعة البعض للطالبة وتبنّي قضيتها على حساب كرامة المعلمة وهيبتها.
وثالثة الأثافي هذه البطاقة الصفراء المشؤومة التي ستنزع أية هيبة للمعلم الذي يطبقها، ولا أدري من أين أتت وأي عبقرية تفتقت عنها، وأي اختراع عجيب نتباهى به على الأمم الأخرى، وأشاطر كل من كتب حول هذا الموضوع أن صاحب هذه الفكرة لم يدخل غرفة الصف يوماً ولا يعرف ما المقصود بالتدريس، بل وأستبعد أن يكون قد تعلم في مدارس أردنية حكومية!!
تصوروا -بالله عليكم- معلماً في غرفة صفية عدد طلبتها 45 طالباً، ثلثهم على الأقل سيُحدث سلوكيات غير مرغوب فيها، فكم دقيقة سيأخذ المعلم لعلاج هذه السلوكيات؟ وماذا بقي لموضوع الدرس، وأدوات التقويم، وأوراق العمل؟ وأين سيذهب المعلم من تأنيب واستجوابات المديرين والمشرفين لعدم إكماله المنهاج المدرسي في الوقت المناسب؟
وهناك حديث أن يُسمح للطلبة برفع البطاقة الصفراء في وجه المعلم، وهذا إن حدث، ولا يُستبعد حدوثه، يعتبر مهزلة غير مسبوقة في التاريخ التربوي منذ آدم عليه السلام حتى تاريخه، وتخيلوا صفاً يرفع بعض الطلبة بطاقة صفراء في وجه المعلم، كيف سيكون حال هذا الصف؟ وهل نطمع من وزارتنا العتيدة أن تسمح أيضاً بالبطاقة الحمراء؟؟!
يفترض في وزارة التربية والتعليم أن تولي الجانب التربوي العناية القصوى، وهذا يتطلب أن يكون للمعلم مكانة وهيبة كبيرة عند طلبته، وأن يُعتبر أي سلوك غير مرغوب فيه مخالف للمعايير السلوكية التي نسعى لغرسها عند طلبتنا، ومن هنا ينبغي أن نعطي المعلم الدعم الكامل للقيام بمهمته التربوية أولاً، وأن لا نرهبه بسيف المحاكم والعقوبات التربوية والبطاقات الصفراء، وإن جانبه الصواب فيمكن تعديل سلوكه ونصحه وتقويمه بالحسنى.
لأفراد الشرطة والعسكريين محاكم وسجون مخصصة لهم حفاظاً على مكانتهم وهيبتهم، فلم لا يخصص للمعلمين محاكم وسجون خاصة بعيداً عن الزج بهم في مهاجع تعج بكل أصناف المساجين على اختلاف جرائمهم وجناياتهم، وكلمة في أذن كل مسؤول تربوي: إن اقتياد أي معلم من مدرسته أمام طلبته إلى مراكز الشرطة وصمة عار في جبين الوزارة لن يمحوها الزمان.
وأخيراً ... لينزل كل مسؤول تربوي إلى الميدان، ويطلِّع على الواقع المرِّ كما هو وخاصة في مدارس الذكور، وليجرِّب كل قائد تربوي وخاصة المنظِّرين منهم تدريس يوم واحد فقط، ثم ليتخذ القرار المناسب الذي يرتئيه، ولنتقِ الله في طلبتنا، ومن قبل لنراقب الله في معلمينا الذين أرهقناهم مطالب وواجبات ومسؤوليات لا تراعي ظروف المدرسة والمعلم والبيئة المدرسية ومستوى الطلبة، وكلها للأسف قرارات فوقية يفترض أن تخضع للتجريب المحدود أولاً ثم تعمم بعد الأخذ بكل الملاحظات.
التعليم في الأردن ينحدر نحو الهاوية، فأدركوه قبل أن تفقدوه، وعندها لن تسمعوا منا إلا "عظَّم الله أجركم"!!
ارسل كلمة sub zad الى زين 97978 أورنج 90205 أمنيه 90205 اكسبرس 90205
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع زاد الاردن' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشرأي تعليق يتضمن اساءة أوخروجاعن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار زاد الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
تعليقات القراء
New Page 3
Comment Script
1-
حكيك على راسي وعيني بس ما تنسى انه في معلمين بوخدو على الطالب كثير
11/22/2009 -14:47
عبدالله صالح جرار
2-
شكر الله سعيك حطيت ايدك على الوجع
11/22/2009 -16:33
من هالناس
3-
فعلا عظم الله اجركم وتسلم على كل حرف في هذه المشاركه الرائعه...يعني انت بتحكي بكل احساس وكأنك عايش دور المعلم ..في وقت قليل من يحس بمعاناتنا..يرحم مدارس زمان وطلاب زمان..فعلا شوهو المعلمين والمدارس وخلوهم مجرمين..والله عال خط ساخن لشكاوي الطلاب والاهل..انا صرت اكره شغلي مع اني تعيين جديد بطلت احب اروح عالمدرسه صرت اتمنى اترك الشغل ..ماعاد فيه هيبه للتعليم..لا حول ولا قوه الا بالله..صرنا نروح عالدرسه بدون نفس كأنه رايحيين حرب..مافي الفه ومحبه بين الطلاب والمعلمين..حسبي الله ونعم الوكيل ..وشكرا للاستاذ موسى...
11/22/2009 -20:22
معلمه
4-
احترم واقدر كل كلمه قلتها واتمنى من المسؤوليين والمنظرين ان يتخذوا قرارتهم من خلال التجربه الميدانيه لا من وراء المكاتب وتحت المكيفات انا على يقين ان معظم التربويين غير مقتنعيين ولكنهم ليسوا اصحاب قرار
11/22/2009 -22:27
عابر سبي
This comment form is powered by GentleSource Comment Script. It can be included in PHP or HTML files and allows visitors to leave comments on the website.
1-
حكيك على راسي وعيني بس ما تنسى انه في معلمين بوخدو على الطالب كثير
11/22/2009 -14:47
عبدالله صالح جرار