بعد قرار حزب جبهة العمل الإسلامي مقاطعة الانتخابات البرلمانية ألعامه لأسباب يعتقد الناس والساسة في البلادإنها موجبة وحقيقية تم إيرادها في بيان الجماعة صباح اليوم ( الاثنين ) فأن الستار قد أزيح بهدوء وعقلانية ليكشف عن القرار النهائي للحركة بعد مجاذبات وضغوطات مارستها الحكومة وبعض الرموز الوطنية لثنيهم عن المقاطعة دون أن تتقدم الحكومة نفسها بأدنى وعد أو رغبة بتحسين العملية الانتخابية سواء من حيث القانون أو الإجراءات أو اعتماد الجداول ألحديثه ، بل وذهبت الى ما هو ابعد من ذلك بعرض جداول الناخبين حسب الأرقام الوطنية وليس الأحرف الأبجدية كما كان معمول به سابقا مما يحول دون كشف ومعرفة الناخبين ودوائرهم الحقيقية أو معرفة الإضافات التي أشيع عنها من خارج الدوائر سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين !! ، إذ لا يعقل أن يبحث المواطن عن اسمه في جداول تضم مثلا 200 ألف ناخب في إحدى دوائر عمان ليتثبت من وجوده ضمن قوائم الناخبين !!! وهذا يدفعه إما الى الامتناع عن المشاركة أو تسليم هويته إلى احد المرشحين لينوب عنه في الانتخاب من باب الاحتياط !
قرار مقاطعة الحركة الإسلامية بات نافذا ، ولا مجال للتراجع عنه في ضل تلك الفوضى والممارسات غير الدستورية وغير العملية المريحة للمواطن ، وبات الوطن وبرلمانه الديمقراطي الذي يفترض أن يمثل أنموذجا حيا للبرلمانات في المنطقة عار إلا من بعض رموز الساسة وأصحاب المصالح الضيقة وبعض المتسلقين على جدار الفساد والمال ، وإبعاد بعض الرموز ممن تعرض عليهم مناصب سيادية لأبنائهم ان رغبوا او تنحوا عن الترشيح من اجل إخلاء المجلس حتى من رموزه وشخصياته التاريخية .
البرلمان القادم سيكرر نفسه هذه المرة بأغلبية نحترم بعض الأسماء فيها ان استمرت بالترشح ولكنه سيبقى بقيمة وقدرة وشخوص أفراده اقل كفاءة وقدرة واقل انتماءا لوطن عاثت فيه حكومات الفساد والترهل والشللية وقتا طويلا وأعادت البلاد إلى عهد ما قبل الخمسينات تتجاذبه أمواج الأزمات الاقتصادية ومعاناة المواطن وفساد الحكومات والترهل وتدني مستوى الأداء والفعالية وتدهور نفسية مواطنه وما خلفته سياسات الحكومات من انتشار مظاهر الفساد والرشي والشللية وضعف الانتماء لمؤسسات الوطن واعتبارها مزارع وحقول خصبة لإشباع رغباته وحاجاته .
لو كانت الحكومات تهتم فعلا ببناء مؤسسات الوطن وتمتين أساسه وأعمدته المتمثلة بمجلس النواب والبلديات والهيئات الاجتماعية والحزبية والأهلية لعملت بشكل جاد على دعم ومساندة تلك المؤسسات وتهيئة الظروف الممكنة لها من اجل إشراكها في عملية البناء وليس العمل على استثنائها وتجاوزها بقوانين وأنظمة وإجراءات التطيير التي تتبعها منذ سنوات . فلم تعد الحكومات أمينة على البلاد ، ولم تعد قوانينها و سياساتها وإجراءات بناء مؤسساته تلقى الترحيب والتفاعل الايجابي من قبل الناس ، فالهوة واضحة تكبر شيئا فشيئا بين الناس والحكومات ، وأزمة الثقة الأخلاقية والبنيوية التي يتحدث الناس عنها مع الحكومات تضاعف من حجم الضغوطات على البلاد فتثقل كاهلها وتهز أركانها وتعرضها للانهيار أمام أي هزة قادمة لا سمح الله .
قرار المقاطعة لا بد أن يمثل هزة سياسية واجتماعية وديمقراطية وتنموية تعصف بالبلاد ، فالتقليل من حجم المقاطعة والاستعاضة عنها برموز وشخصيات يعرفها الناس ويعرف تاريخها وحجم انتمائها للوطن لن يكون البديل المتوفر تخت أي ظرف ، ولن تكون نسبة المقترعين التي ستعمل الحكومة على رفع أرقامها من خلال حصول بعض المرشحين على أرقام خيالية لا تعبر عن واقع وقدرة المرشح واتجاهات الناس نحوه ، فالمقاطعة تعني ضرورة التوقف والتمعن بخطاب الحركة الأخير والعمل على تهدئة الخواطر وتفكيك رموز ( إجراءات ) العملية الانتخابية المعد سلفا للتلاعب ، ويمكن لنا ان نتخيل في ضل المقاطعة شكل المجلس القادم ومستوى النقاشات التي تتناول التحديات التي ستواجه البلاد ، وتخيلوا وطن بحجم الأردن وحجم مليكه وتاريخه يحوي برلمان دون معارضة ويفتقد لرجال وطن ورجال دولة حقيقيين !! البرلمان ليس الهدف ، انه وسيلة عمل بناء وتنمية في البلاد .. فان كانت تلك المؤسسة الديمقراطية ستلد مثل هذا المجلس فلا حاجة للبلاد به ونخشى الندم غدا ! ولكن يمكننا تجاوز الخلل وإعادة تقييم وتقويم الاعوجاج الذي حدث وأثمر عنه موقف الناس من هذه الانتخابات .